التسويق بالقيم (Values-Driven Marketing): كيف تبني براند يمثل تطلعات الشباب السعودي؟
في المشهد التسويقي المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية اليوم، لم يعد المستهلك الشاب يبحث فقط عن جودة المنتج أو سعره التنافسي؛ بل أصبح يبحث عن “المعنى” و”الأثر”. يمثل هذا النوع (Values-Driven Marketing) التحول الجذري من التركيز على خصائص المنتج إلى التركيز على المبادئ التي تمثلها العلامة التجارية، وهو التوجه الذي يعيد صياغة العلاقة بين الشركات والجيل الجديد من السعوديين.
إن بناء علامة تجارية تتماشى مع تطلعات الشباب السعودي يتطلب فهماً عميقاً للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تقودها رؤية المملكة 2030، حيث أصبح الانتماء الوطني والمسؤولية الاجتماعية والاستدامة ركائز أساسية في قرارات الشراء.
ما هو التسويق بالقيم؟ ولماذا الآن؟
يعرف التسويق بالقيم بأنه استراتيجية تسويقية تربط هوية العلامة التجارية بمجموعة من القيم والمبادئ الأخلاقية أو الاجتماعية التي يؤمن بها جمهورها المستهدف. وفقاً لتقارير Forrester، فإن المستهلكين المدفوعين بالقيم يتخذون قراراتهم الشرائية بناءً على مدى توافق العلامة التجارية مع قناعاتهم الشخصية.
في السياق السعودي، يشير تقرير بي دبليو سي (PwC) لعام 2024 إلى أن 91% من الشباب السعودي لديهم وعي عالٍ بأهداف التنمية المستدامة. هذا الوعي يترجم إلى توقعات عالية من الشركات؛ حيث يفضل الشباب العلامات التي تساهم بفعالية في مجالات مثل التعليم الجيد، الطاقة النظيفة، والعدالة الاجتماعية.
القيمة الجوهرية | تأثيرها على السلوك الشرائي للشباب السعودي |
الاستدامة والبيئة | زيادة الإقبال على المنتجات الصديقة للبيئة والشركات ذات البصمة الكربونية المنخفضة. |
الفخر الوطني (Proud Localism) | تفضيل العلامات التجارية المحلية “البطلة” التي تمثل الهوية السعودية الحديثة. |
الشفافية والمصداقية | البحث عن علامات تجارية تتواصل بصدق وتكشف عن سلاسل توريدها وممارساتها الأخلاقية. |
الابتكار الاجتماعي | دعم الشركات التي تخصص جزءاً من أرباحها أو مواردها لحل مشكلات مجتمعية. |
صعود "المحلية الفخورة": قوة البراند السعوديية: ركيزة الثقة الرقمية
أحد أبرز ملامح هذا النوع من التسويق في المملكة هو ما يسمى بـ “المحلية الفخورة” (Proud Localism). لم يعد شعار “صنع في السعودية” مجرد مبادرة حكومية، بل أصبح رمزاً للفخر والجودة والتميز. تشير دراسات Eurogroup Consulting لعام 2025 إلى أن 95% من الشباب السعودي (الفئة العمرية 18-34) يرون أن دعم الشركات المحلية يمثل أولوية قصوى لديهم.
هذا التحول النفسي جعل العلامات التجارية المحلية مثل البيك والخطوط السعودية تتصدر قوائم العلامات الأكثر توصية في المملكة، متفوقة على عمالقة التكنولوجيا والمطاعم العالمية. الشباب السعودي اليوم يرى في “البراند المحلي” مرآة لطموحاته وقدرته على المنافسة عالمياً.
كيف تبني علامة تجارية تمثل تطلعات الشباب السعودي؟
لبناء “براند” لا يبيع منتجات فحسب، بل يمثل حركة ثقافية وقيمية، يجب اتباع الاستراتيجيات التالية:
- تبني “الأصالة” كمنهج حياة
الأصالة (Authenticity) هي العملة الصعبة في عالم التسويق للجيل زد (Gen Z). الشباب السعودي يمتلك “راداراً” دقيقاً لكشف الزيف. العلامة التجارية التي تدعي قيماً لا تمارسها على أرض الواقع ستواجه نفوراً سريعاً. يجب أن تكون قيمك جزءاً من الحمض النووي لشركتك، بدءاً من طريقة تعاملك مع الموظفين وصولاً إلى جودة خدمة العملاء.
- الاستثمار في “المحتوى القيمي” الرقمي
بما أن الشباب السعودي يتصدر دول العالم في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، فإن المحتوى يجب أن يتجاوز “البيع المباشر”. تشير التقارير إلى أن التفاعل مع الحملات التي تحمل رسائل إنسانية أو وطنية أو توعوية يكون أعلى بنسبة 40% من الإعلانات التقليدية. استخدام “القصص” (Storytelling) لسرد رحلة العلامة التجارية وتأثيرها في المجتمع هو المفتاح لكسب القلوب.
- التوافق مع رؤية 2030
ليست الرؤية مجرد خطة اقتصادية، بل هي “هوية وطنية” جديدة. البراند الذي يظهر دعمه لتمكين المرأة، التحول الرقمي، أو السياحة المحلية، يضع نفسه في قلب اهتمامات الشباب. على سبيل المثال، ازدهار مقاهي القهوة المختصة في الرياض وجدة ليس مجرد تجارة، بل هو تعبير عن نمط حياة جديد يدعم المحاصيل المحلية والمبتكرين السعوديين.
- المسؤولية الاجتماعية كاستثمار طويل الأمد
وفقاً لتقرير بي دبليو سي، يرى 76% من الشباب أن القطاع الخاص يجب أن يلعب دوراً أكبر في حماية الكوكب والناس. دمج المسؤولية الاجتماعية في نموذج العمل (مثل تقليل البلاستيك، أو دعم المواهب الشابة) يبني ولاءً لا يمكن زعزعته بالعروض السعرية المنافسة.
الخاتمة: المستقبل للعلامات التي تمتلك "روحاً"
إن التسويق بالقيم ليس مجرد “ترند” عابر، بل هو تطور طبيعي لسوق ناضج وواعٍ مثل السوق السعودي. بناء براند يمثل تطلعات الشباب السعودي يعني الانتقال من عقلية “المعاملة التجارية” إلى عقلية “الشراكة القيمية”.
في عام 2026 وما بعده، ستكون العلامات التجارية الرابحة هي تلك التي تنجح في أن تكون جزءاً من حكاية النجاح السعودية، تلك التي تلهم الشباب، وتحترم ذكاءهم، وتشاركهم قيمهم في بناء مستقبل طموح. إذا أردت أن تبني براند يذكره التاريخ، فلا تبدأ بماذا تبيع، بل ابدأ بـ لماذا تبيع، وما هي القيم التي تدافع عنها في كل منتج تقدمه.