يوميًا يتعرض الشخص الواحد إلى مايقارب الـ 10 الاف إعلان وبسبب هذا الضخ المستمر من الإعلانات صرنا غير مبالين بها يومكن لهذا السبب اخترعت المنصات الرقمية زر التخطي “” ويعتبر هذا بمثابة اعتراف بقلة رغبة المشاهدة لها.
وهذا يحط المعلن في تحدي صعب وأن أمامه أجزاء من الثانية للفت انتباه المشاهد ومن ثم شق الطريق الصعب لرسالة الاعلان ووضع الرسالة في منطقة اللاوعي من عقولنا على أمل أن يبقى هناك حتى متى مارحنا للمتجر او فكرنا في الخدمة يكون من ضمن الخيارات.
بلغ الانفاق الاعلاني في السعودية لعام 2024م 2.226 مليار دولار ومن المتوقع ارتفاع الانفاق الاعلاني سنويًا بنسبة 10% ويعد قطاع الاعلانات من أكثر القطاعات نموًا.
ولكن عمرك تسألت ليش نتجنب الاعلانات رغم ارتباط بعضها بأساسيات في حياتنا بينما نقضي ساعات طويلة في مشاهدة Game Of Thrones ؟
ولأن افضل المسوقين هم خبراء في علم النفس ويفهمون تأثير الشخصيات والكلمات والألوان والأصوات والصور والرموز على الشريحة المستهدفة وقوة وعمق على المشاهد اذا ماوضعت في نسق معين.
وهنا تساءل اخر، لماذا هناك إعلان يعطيك شعور وإحساس كبير وعميق بينما اعلان ثاني مايسوي نفس الشيء ؟
يقول Jib Fowles في مقاله الشهير Advertising’s 15 Basic Appeals
“الإعلانات المصممة جيدًا تستهدف الحاجة غير الملباة لدى شريحة ديموغرافية محددة ومن ثم تطبّق عليها استراتيجيات الاعلان لتساعد على دعم الموضوع العام”
بمعنى اذا انته في بالك رغبة عميقة مدفونة في وجدانك يقوم الاعلان المصمم بطريقة جيدة بتجسيد هذه الرغبة وتصويرها بانه يمكن تحقيقها عبر هذا المنتج او الخدمة وهذا هي افضل فرصة لجذب الانتباه والتأثير على التواصل مع المشاهد.
مثلاً: شخص يعاني من وزن متزايد ويشعر انه يحتاج ان يعمل على تحقيق الوزن المثالي (الحاجة غير الملباة) ستجده أكثر اهتماماً من غيره بالإعلانات المهمتة باللياقة البدنية والمظهر الجذاب، وبما ان رمضان قضى يبدو اننا جميعاً مثل هذا الشخص
لو تأملت كل هذه العناصر الخمسة عشر الذي ذكرها Jib Fowles لتوجدت لها نمطين (نفسية وانسانية) ولا تخاطب العقل والمنطق ابداً
دعونا ندرس بعض الحالات لاعلانات وضع في اعتبارك ان الإعلان الجيد ليس مجرد عرض سمعي وبصري عابر بل ان كل شي يظهر فيه له سبب و غاية. فللنظر إلى إعلانين لمصرف الراجحي الفرق بينهما اثنا عشر عاماً.
فلننظر للإعلان الأول
أولاً: لاحظ ان كل الاعلانين بداءا بعبارات نصية الأول كان بلا تعليق صوتي وفي الاعلان الثاني بتعليق صوتي
لو تأملنا الإعلان الأول لوجدنا ان عبارة مصرف الراجحي تكررت في كل المشاهد والإعلان كان اشبه بتقرير دعائي لخدمات المصرف لأن المعلن كان يحاول يقدم سبباً منطقياً ومقنعاً لاختيار مصرف الراجحي عبر استعراض الامتيازات والفوائد التي يحظى بها عميل المصرف.
لكن في الإعلان الثاني الأمر مختلف
يُروى الإعلان عبر السردية العاطفية لعلاقة المصرف بمحيطه باستهداف واضح لشريحة بالغة الدقة.
كلا الاتجاهين في الإعلانين جزء من ما يعرف
بـ نموذج احتمالية التفضيل
Elaboration Likelyhood Method
وهي نظرية معروفة في التأثير النفسي وتقول ان التأثير النفسي في الجماهير له طريقين:
الأول هو ما يعرف بالطريق المركزي Central Route:
حيث يقوم الفرد بتقييم المعلومات المقدمة إليه بناءً على إيجابياتها وسلبياتها ومدى دعمها لقيمه وهذا كان توجه الإعلان الأول.
أما الإعلان الثاني فقد اتبع الطريق المحيطي Preipheral Route:
وهو الطريق اللي يعتمد على المؤثر النفسي الذي ليس له علاقة بخصائص المنتج او الخدمة نفسها ولكن بكل ما يحيط به.
هذا في ما يتعلق بالجانب المنهجي.
أما فنياً
في الإعلان الأول لا يوجد بناء درامي قوي في الانتقالات بين اللقطات ولا ترابط بل يقدم الرسالة بشكل خطي مباشر (مقدمة، خدمات، خاتمة) اما في الإعلان الثاني يظهر الخط الزمني للعلاقة مع العميل بشكل دائري البداية: “من متى نعرف بعض؟” → الذكريات → العودة للسؤال بنهاية عاطفية تسلسل درامي جميل للمشاهد ويبداء بمشاهد على ما يبدو من فترة الثمانيات في دلالة على بدء العلاقة مع العميل، مشاهد لتلفزيون قديم مستعرض فيديو كابينة اتصال ثم يعمل Zoom out ويستعرض (قصة) التطور الزمني للعلاقة القديمة مع العميل عبر أكثر من 23 مشهد من الملاحظ انه طوال فترة الإعلان لم يُذكر اسم المصرف ولا خدماته بل ركز على العوائد العاطفية التي حققتها خدمات المصرف على العميل.
والآن خلونا ننتقل إلى مستوى آخر من التحليل عبر تفكيك مكونات الإعلان الثاني
من اول ثانية في الإعلان استطاع الإعلان لفت الإنتباه عبر التعبير صراحة عن حصرية هذا الإعلان للفئة المستهدفة (هذا الإعلان خاص بعملاء مصرف الراجحي) ، رسم دائرة الاستهداف في نطاق العملاء فقط ثم تصغير هذه الدائرة إلى الذين ينتمون إلى فئة زمنية محددة فقط
(من متى نعرف بعض؟ 20 سنة ؟ 30؟ أكثر؟)
والتحديد لهم دون غيرهم دعوة صريحة للفت نظر المستهدفين ولكن يعرف خبراء التسويق ان ما لا يقوله الإعلان صراحة لا يقل أهمية عن ما يصرح به فصناعة العلامات والدلالات التي تؤدي إلى فهم رسالة الإعلان أكثر فعالية من التصريح بالرسالة نفسها وتلقيمها للمشاهد، بشكل او بآخر يعتبر هذا الخطاب المباشر في بداية الإعلان لفئة العملاء هو دعوة ضمنية لغير العملاء وإثارة لغريزة الفضول فيهم، The need to satisfy curiosity احد الحاجات المذكورة في مقال جيب فوليس ، حقق الإعلان ذلك عبر خلق فجوة معرفية في اذهان المشاهدين والتي غالباً ما يميل البشر لسد هذه الفجوات المعرفية، فإن اخذ الإعلان في ظاهره صيغة الحصرية لفئة العملاء الحاليين ولكنه في مضمونة يستهدف بنفس المستوى والأهمية غير العملاء عشان يكملون مشاهدة الإعلان وتثير مشاهدهم:
(وش الشيء المهم عند بنك الراجحي ويبون يقولونه لعملائهم فقط؟)
لكن دقيقة ليش صرح المعلن حصراً استهداف فئة العملاء التي تربطهم علاقة 20 ، 30 سنة فأكثر؟
بعملية حسابية بسيطة نقدر ان نتوقع بشكل دقيق ان الشريحة المستهدفة من الإعلان هم الفئة العمرية ما بين 35 إلى 45 سنة فأكثر، بحسب شروط المصرف يستطيع العميل بداء التعامل مع البنك عبر فتح حساب منذ بلوغه سن الـ الخامسة عشر فإذا كانت العلاقة 20 سنة فالحد الأدني للعمر الحالي للعميل المستهدف من الإعلان هو 35 سنة وان كانت 30 سنة فهي 45 سنة وأكثر.
لكن ليش هذه الشريحة بالذات؟
قبل الإجابة على هذا السؤال دعونا نلقي نظرة على القالب الإعلاني الذي اختاره المعلن، والطريقة التي اختار المعلن ان يوصل بها رسالته؟
تأمل مجدداً للإعلان
يستعرض الإعلان ذكريات العميل القديمة وانجازاته السابقة واهدافه التي حققها في الماضي بالشراكة مع المصرف وكأنه يطبطب على كتف العميل ويطمئنه في قالب مليئ بالعاطفة والنوستاليجا و انه حقق نجاحات وكأن العميل يشك في ذلك، او يحتاج من يذكره فيها.
ما ارتباط الذكريات والانجازات بالفئة العمرية المستهدفة من الإعلان؟
وظف الإعلان النوستاليجا الشخصية والحنين الحقيقي والذي يعتبر نوع من المساندة الواعية لهذه الشريحة وذلك عبر تنمية الاحساس بالرضا والامتنان.
وكأن المعلن يبي ان يقول لا تشعروا بالاحباط وانتم في هذه المرحلة من العمر، فقد حققتم الكثير والكثير..
الأمر اصبح واضح
يريد المعلن ان يستميل المشاهدين المستهدفين عاطفياً عن طريق توظيف النوستاليجا الشخصية وهي ما يعرف بـ (الحنين الحقيقي) المبني على التجارب الحقيقية السابقة لعملاء المصرف، يريد المعلن ان يخلق حالة من التعلّق المرضي بذلك الزمان والمكان واستدعاء للماضي المثالي وتنقيته من كل اللحظات السلبية والحزينة لرفع المعنويات والحماية من الانهيار النفسي والاكتئاب.
عفواً؟ انهيار نفسي واكتئاب؟
نعم نعتقد ان المعلن يفترض ان عميله يمر بحالة نفسية غير مستقرة، تذكروا ان الإعلان وظف النوستاليجا كقالب لإعلانه ومن ثم استهدف فئة ديموغرافية محددة والذين اعمارهم بحد أدنى من 35 عاماً فأكثر وفي هذه المرحلة من العمر يمر الإنسان بأزمة نفسية تعرف بـ
أزمة منتصف العمر Midlife Crises
عند بلوغ الإنسان منتصف الثلاثينيات وحتى منتصف الخمسينيات، يجد نفسه في مواجهة غير متوقعة مع الزمن. تمر السنوات سريعًا ويُصدم بحقيقة إنه قد تقدم بالعمر ولم يعد “شابا” كما كان يرى نفسه، إنها لحظة تأمل قاسية، حيث يختلط الإنجاز بالحسرة، والطموح بالخيبة. يشعر البعض بأن قطار الحياة قد مضى أسرع مما توقعوا، فيسأل نفسه: هل اخترت المسار المهني الصحيح؟ هل كانت قراراتي في الزواج والحب صائبة؟ لماذا أشعر وكأنني محاصر بين مسؤولياتي وقراراتي المالية؟ وتتسلل المخاوف حول تراجع القدرات البدنية، ويصبح المستقبل بالنسبة له ساحة قلق أكثر منه مساحة أمل، واسئلة مستمرة وكثيرة …
اخيراً الإعلانات المصممة جيداً لا تركز كثيراً على الحجة المنطقية بل على الشعور المقنع وعندما يتعلق الأمر بأزمة منتصف العمر وهي مرحلة تفكيرو جلد ذات ومراجعة نفس سنجد إن الإعلان قد تناول الأزمة بشكل جيد جداً عبر توظيف النوستاليجا الشخصية لخلق حالة من الرضا عن الانجازات الفئة المستهدفة وهذا التوظيف للنوستالجيا على ما يبدو جزء من استراتيجية تسويقية دفاعية يتبعها المصرف للحفاظ على العملاء وصراع بقاء امام البدائل المصرفية الرقمية المتصاعدة والتي قد تكون أكثر جاذبية من المصارف التقليدية وخصوصاً أنها تقدم خدماتها بشكل غير تقليدي ومجاني، نعتقد انه سيكون من المفيد جداً للإعلانات القادمة للمصرف تبني تقنيات اختبار الاعلان قبل نشره PreTesting Tactics و إدارة المحتوى العاطفي في الإعلان بشكل أكثر فاعلية والعمل على الحصول على مقاييس كمية لهذا النوع من المحتوى تتعدى المقاييس القائمة على التذكر لتصل إلى فهم (القوة الخفية) التي تخلي الإعلان يعمل ويؤدي رسالته بحد ادنى من الانتباه او تذكر.
نتمنى ان التحليل اعجبكم ، اعطونا رايكم بكل صراحة وكل عام وانتم بخير